سيد محمد طنطاوي
289
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : ولقد جاء يوسف - عليه السلام - إلى آبائكم من قبل مجيء موسى إليكم ، وكان مجيئه إلى آبائكم مصحوبا بالمعجزات والبينات ، والآيات الواضحات الدالة على صدقه . * ( فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِه ) * أي : فما زال آباؤكم في شك مما جاءهم به من البينات والهدى ، كشأنكم أنتم مع نبيكم موسى - عليه السلام - . * ( حَتَّى إِذا هَلَكَ ) * أي : مات يوسف - عليه السلام - . * ( قُلْتُمْ ) * أي : قال آباؤكم الذين أنتم من نسلهم * ( لَنْ يَبْعَثَ اللَّه مِنْ بَعْدِه رَسُولًا ) * فهم قد كذبوا رسالته في حياته ، وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته ، لأنهم نفوا أن يكون هناك رسول من بعده . فأنت ترى أن الرجل المؤمن يحذر قومه من أن يسلكوا مسلك آبائهم ، في تكذيب رسل اللَّه ، وفي الإعراض عن دعوتهم . قال ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( ولَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ ) * يعنى : أهل مصر ، قد بعث اللَّه فيهم رسولا من قبل موسى ، وهو يوسف - عليه السلام - ، كان عزيز أهل مصر ، وكان رسولا يدعو إلى اللَّه أمته القبط ، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة . والجاه الدنيوي . ولهذا قال : * ( فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِه حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّه مِنْ بَعْدِه رَسُولًا ) * أي : يئستم فقلتم طامعين : * ( لَنْ يَبْعَثَ اللَّه مِنْ بَعْدِه رَسُولًا ) * وذلك لكفرهم وتكذيبهم « 1 » . وقوله : * ( كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّه مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ) * أي : مثل ذلك الإضلال الفظيع ، يضل اللَّه - تعالى - من هو مسرف في ارتكاب الفسوق والعصيان ، ومن هو مرتاب في دينه . شاك في صدق رسوله ، لاستيلاء الشيطان والهوى على قلبه . ثم بين لهم أن غضب اللَّه - تعالى - شديد ، على الذين يجادلون في آياته الدالة على وحدانيته وعلى كمال قدرته ، وعلى صدق أنبيائه ، بغير حجة أو دليل فقال * ( الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّه بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا . . . ) * . وقوله : * ( الَّذِينَ يُجادِلُونَ . . . ) * مبتدأ ، وخبره قوله - تعالى - : * ( كَبُرَ مَقْتاً . . ) * والفاعل ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من قوله * ( يُجادِلُونَ ) * أي : كبر جدالهم و * ( مَقْتاً ) * تمييز محول عن الفاعل ، أي : عظم بغضا جدالهم عند اللَّه وعند المؤمنين .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 133 .